صفي الرحمان مباركفوري
243
الرحيق المختوم
وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين ، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة ، فقد ركزوا حملتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم وطمعوا في القضاء عليه ، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه ، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى ، وكلمات شفته السفلى ، وتقدم إليه عبد اللّه بن شهاب الزهري ، فشجه في جبهته ، وجاء فارس عنيد هو عبد اللّه بن قمئة فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة ، شكا لأجلها أكثر من شهر ، إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين ، ثم ضرب على وجنته صلى اللّه عليه وسلم ضربة أخرى عنيفة كالأولى ، حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وقال : خذها وأنا ابن قمئة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له وهو يمسح الدم عن وجهه : « أقمأك اللّه » « 1 » . وفي الصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم كسرت رباعيته ، وشج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول : كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى اللّه ، فأنزل اللّه عز وجل : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ « 2 » . وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ : اشتدّ غضب اللّه على قوم دموا وجه رسوله ، ثم مكث ساعة ثم قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون « 3 » . وكذا في صحيح مسلم أنه كان يقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون « 4 » ، وفي الشفاء للقاضي عياض أنه قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون « 5 » . ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللّه قاما ببطولة نادرة ، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير ، حتى لم يتركا - وهما اثنان فحسب - سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم ، وكان من أمهر رماة العرب ، فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأما سعد بن أبي وقاص ، فقد نثل له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كنانته ، وقال : إرم فداك أبي
--> ( 1 ) وقد سمع اللّه دعاء رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فعن ابن عائذ أن ابن قمئة « انصرف إلى أهله ، فخرج إلى غنمه ، فوافاها على ذروة جبل ، فدخل فيها ، فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع ( فتح الباري 7 / 373 ) وعند الطبراني فسلط اللّه عليه تيس جبل ، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة ( فتح الباري 7 / 366 ) . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 582 ، وصحيح مسلم 2 / 108 . ( 3 ) فتح الباري 7 / 373 . ( 4 ) صحيح مسلم باب غزوة أحد 2 / 108 . ( 5 ) كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى 1 / 81 .